الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
194
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والعزة : القهر والسلطان ، وعزة اللّه هي العزة الكاملة التي لا تختل حقيقتها ولا يتخلف سلطانها ، وقسم إبليس بها ناشئ عن علمه بأنه لا يستطيع الإغواء إلا لأن اللّه أقدره ولولا ذلك لم يستطع نقض قدرة اللّه تعالى . وتقدم تفسير نظير : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ في سورة [ الحجر : 40 ] . [ 84 - 85 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 84 إلى 85 ] قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 ) أي قال اللّه تعالى تفريعا ، وهذا التفريع نظير التفريع في قوله : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 82 ] . وقوبل تأكيد عزمه الذي دل عليه قوله فَبِعِزَّتِكَ [ ص : 82 ] بتأكيد مثله ، وهو لفظ فَالْحَقُّ الدال على أن ما بعده حق ثابت لا يتخلف ، ولم يزد في تأكيد الخبر على لفظ فَالْحَقُّ تذكيرا بأن وعد اللّه تعالى حق لا يحتاج إلى قسم عليه ترفعا من جلال اللّه عن أن يقابل كلام الشيطان بقسم مثله . ولذلك زاد هذا المعنى تقريرا بالجملة المعترضة وهي وَالْحَقَّ أَقُولُ الذي هو بمعنى : لا أقول إلا الحق ، ولا حاجة إلى القسم . وقرأ الجمهور : فَالْحَقُّ بالنصب وانتصابه على المفعولية المطلقة بدلا عن فعل من لفظه محذوف تقديره : أحقّ ، أي أوجب وأحقّق . وأصله التنكير ، فتعريفه باللام تعريف الجنس كالتعريف في : أرسلها العراك ، فهو في حكم النكرة وإنما تعريفه حلية لفظية إشارة إلى ما يعرفه السامع من أن الحق ما هو وتقدم بيانه في أول الفاتحة . وقرأه عاصم وحمزة بالرفع على أنه لمّا تعرف باللام غلبت عليه الاسمية فتنوسي كونه نائبا عن الفعل . وهذا الرفع إما على الابتداء ، أي فالحق قولي ، أو فالحق لأملأنّ جهنم إلخ ، على أن تكون جملة القسم قائمة مقام الخبر ، وإمّا على الخبرية ، أي فقولي الحقّ وتكون جملة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مفسر القول المحذوف ، ولا خلاف في نصب الحق من قوله : وَالْحَقَّ أَقُولُ . وتقدم تفصيل ذلك في أول سورة الفاتحة . وجملة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ إلخ مبيّنة لجملة فَالْحَقُّ وهي مؤكدة بلام القسم والنون .